الشيخ محمد النهاوندي

22

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وقال الحارث بن هشام : أما وجد رسول اللّه سوى هذا الغراب الأسود « 1 » . وقيل : إنّ الآية نزلت في أبي هند من الصحابة ، حين أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بني بياضة أن يزوّجوه امرأة منهم ، فقالوا : يا رسول اللّه ، نزوّج بناتنا موالينا « 2 » . وروي أنّ رسول اللّه مرّ في سوق المدينة ، فرأى غلاما أسود يباع ، وهو يقول : من اشتراني فعلى شرط أن لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول اللّه : فاشتراه رجل ، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يراه عند كلّ صلاة فقعده فسأل عنه صاحبه ، فقال : هو محموم فعاده ، ثمّ سأل عنه بعد أيام فقيل ! هو مشرف على الموت ، فجاءه وهو في بقية حركة ، فتولّى غسله ودفنه ، فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم ، فنزلت « 3 » . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال يوم فتح مكّة : « إنّ اللّه قد أذهب عنكم بالاسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها ، إنّ العربية ليست بأب والد ، وإنّما هو لسان ناطق ، فمن تكلّم به فهو عربي ، إلّا أنكم من آدم ، وآدم من التراب ، وإن أكرمكم عند اللّه أتقاكم » « 4 » . وعنه صلّى اللّه عليه وآله : « أنّ ربّكم واحد ، وأبوكم واحد ، لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا أحمر على اسود ، ولا أسود على أحمر إلّا بالتقوى » « 5 » . وإنّما ذكر سبحانه من أسباب التفاخر الدنيوي النسب ، مع أن أسبابه كثيرة كالمال والأولاد وغيرهما ، لأنّ النسب أعلاها من حيث أنّه ثابت مستمر غير مقدور التحصيل بخلاف غيره ؛ ولأنّه كان بين العرب من أعظم أسباب الافتخار ، وكان دأبهم الشائع الافتخار به . روي أنّه سئل عيسى عليه السّلام : أي الناس أشرف ؟ فقبض قبضتين من التراب ، ثمّ قال : أي هذين أشرف ؟ ثمّ جمعهما فطرحهما ، وقال : الناس من تراب ، وأكرمهم عند اللّه أتقاهم « 6 » . وعن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « يقول اللّه يوم القيامة : أمرتكم فضيّعتم ما عهدت إليكم فيه ، ورفعتم أنسابكم ، اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم ، أين المتّقون ؟ إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم » « 7 » . وعن أبي هريرة : أنّ الناس يحشرون يوم القيامة ، ثمّ يوقفون ، ثمّ يقول اللّه لهم : طالما كنتم تكلّمون وأنا ساكت ، فاسكتوا اليوم حتى أتكلّم ، إنّي رفعت نسبي وأبيتم إلّا أنسابكم ، قلت إنّ أكرمكم أتقاكم ، وأبيتم أنتم ، وقلتم : لا بل فلان بن فلان وفلان بن فلان ، فرفعتم أنسابكم ، ووضعتم نسبي ، فاليوم أرفع

--> ( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 90 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 91 . ( 4 ) . تفسير القمي 2 : 322 ، تفسير الصافي 5 : 54 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 9 : 91 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 9 : 91 . ( 7 ) . مجمع البيان 9 : 207 ، تفسير الصافي 5 : 54 .